عماد الدين خليل

321

دراسة في السيرة

فيه » ، فأجابهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « إني على جناح سفر . ولو قدمنا إن شاء اللّه أتيناكم فصلينا لكم فيه » . لكنه ما أن فقل عائدا من غزوته تلك ، وأصبح على مقربة ساعة من المدينة حتى جاءه الوحي الأمين بحقيقة ما كان يرمي إليه أولئك الرجال المنافقون في بناء مسجدهم ذاك ، ودعوتهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم لمباركته ! ! فما لبث صلى اللّه عليه وسلم أن استدعى اثنين من أصحابه وقال لهما : « انطلقا إلى المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرّقاه » ، فخرجا مسرعين حتى دخلا المسجد وفيه أهله ، فحرقاه وهدماه حتى تفرق عنه أصحابه « 1 » . وقد سئل عاصم بن عدي : لم أرادوا بناءه ؟ فقال : كانوا يجتمعون في مسجدنا ، فإنما هم يتناجون فيما بينهم ، ويلتفت بعضهم إلى بعض فيلحظهم المسلمون بأبصارهم ، فشق ذلك عليهم ، وأرادوا مسجدا يكونون فيه ، لا يغشاهم فيه إلا من يريدون ممن هو على مثل رأيهم . فكان أبو عامر يقول : لا أقدر أن أدخل مربدكم هذا ، وذاك أن أصحاب محمد يلحظونني وينالون مني ما أكره قالوا : نحن نبني مسجدا تتحدث فيه عندنا « 2 » . ويروى البلاذري عن سعيد بن جبير أن بني عمرو بن عوف ابتنوا مسجدا في ( قباء ) فصلى بهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيه ، فحسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف فقالوا : لو بنينا أيضا مسجدا وبعثنا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلي فيه كما صلى في مسجد أصحابنا ، ولعل أبا عامر - الذي كان قد فرّ من اللّه ورسوله إلى أهل مكة ثم لحق بالشام فتنصّر وأقسم أن يحارب الرسول أينما وجد فرصة لذلك - أن يمر بنا إذا أتى من الشام فيصلي بنا فيه . فبنوا مسجدا وبعثوا إلى رسول اللّه يسألونه أن يأتي فيصلي فيه . فلما قام رسول اللّه لينطلق إليهم ، أتاه الوحي بالآية السالفة « 3 » . ويبدو من دراسة هذه الحادثة أن حركة النفاق كانت قد حذقت ، خلال سني الدعوة الطويلة ، مزيدا من الأساليب لتخريب المجتمع الإسلامي من الداخل ، بعد أن أعيتها كل الحيل السابقة . وها هي الآن تسعى في ظاهر الأمر إلى مزيد من الاندماج في المجتمع الإسلامي وإلى اعتماد مؤسساته نفسها كالمسجد الذي هو رمز العبادة الإسلامية وحرمها للوصول إلى أهدافها بضمان أكبر ، حيث سيحقق

--> ( 1 ) الطبري : تاريخ 3 / 110 - 111 ، الواقدي 3 / 1045 - 1049 ، ابن كثير : البداية والنهاية 5 / 21 - 22 . ( 2 ) الواقدي : 3 / 1048 - 1049 . ( 3 ) فتوح البلدان 1 / 1 / 2 ، أنساب الأشراف 1 / 282 - 283 ، وانظر المسهودي : وفاء الوفا 2 / 16 - 17 .